• عامر

! واقعي الفوضوي





في دائرة معارفي القريبة مني ، هناك اشخاص لطالما اجد فيهم سمات الشخصيات المرتبة جداً في واقعهم، واستحضر الآن شخصين تحديداً في ذهني واعتقد انه لو امكنهم قراءة هذه التدوينة سيعرفون اني اتحدث عنهم .

هناك من يعزو الترتيب المفرط لكل شيء الى الهوس ، او الوسواس القهري ، لا اعتقد ان من اقصدهم وصلوا الى هذه المرحلة ، لكن استطيع ان اقول بأنهم مرتبين الى حد يفوق على الحد الطبيعي بقليل .




اكثر مايستعجب منه اصدقائي اذا قمت بدعوتهم لزيارتي في الاستوديو هو الحالة الفوضوية التي اعيش فيها بعض الاحيان، وركزوا على بعض الاحيان لان احيان اخرى كثيرة يكون لزاماً علي ان يكون الاستوديو مرتب للحد الذي يعطي ذلك الانطباع للزبون او الزائر الذي (لا امون عليه) ان صاحب هذا الاستديو يتمتع بالحد الادنى من الانسانية !، الا أنني لا اتبع هذا النهج عندما يكون الزائر هو احد من أمون عليهم ، فدائماً ما يصفون حالتي "بالمُطلقة" التي لم ترتب عفشها أملاً في ان تتزوج مرة اخرى فتتجنب بهذا عناء ان ترتب عفشها مرتين ! .


من يزورني من اصدقائي المقربين اعتادوا ان يجدوا في الاستوديو إغراءاً حركي ونشاطاً ذهني كالنشاط الذهني المطلوب لحل أحجية ما ، او نوع من ممارسة بدنية لغرض حرق السعرات الحرارية ، اعتدت عند زيارتهم ان يقوموا بإعادة ترتيب الاستديو وتنميقه وتزيينه وتبخيره بطريقة تجعلني اشكك في مدى نظافتي الشخصية واهتمامي بنفسي ، ضاربين عرض الحائط تعبيري بالسخط والانزعاج من ذلك !.


السؤال الآن : هو حد حاصل له ؟! ، لماذا ارفض ان يكون هناك من يقوم بترتيب المكان عني ؟


دعني اخبركم مالذي يشعل غضبي الممزوج بالامتنان الخفي لوجود هؤلاء الاشخاص في حياتي ، عندما يقوم احدهم بترتيب مكاني .


بالرغم من اعترافي الصريح انني فوضوي الا انني اعرف من خلال تلك الفوضى التي لاتكاد تجد فيها لك على موطئ قدم وكما علق احدهم ساخراً : "يبيلي قوقل ماب عشان اوصل لمكان الجلوس"، الحقيقة اني اعرف مكان كل شيء ، اعرف مكان الابرة اين وضعتها ، نعم، وضعتها في تلك العلبة البلاستيكية الصغيرة داخل الحقيبة الصفراء ، الحقيبة الصفراء داخل الكرتون الصغير ، والكرتون الصغير داخل ذلك الكرتون الاكبر منه والمرمي هناك آخر الاستديو فوق الخلفية الحمراء ! ، وهذا مايثير استغرابهم دائماً بالسؤال : "كيف عايش انت ؟" "كيف تعرف تشتغل ؟" "كيف تلقى الاشياء اذا احتجتها !؟"

لا أعلم حقيقة ! لكني اجدها بسهولة ! ، واعتقد في ان السبب يعود لطريقة عمل ذاكرتي الصورية ! . اعتقد اني اتعامل مع الفوضى على طريقة المسح الجيولوجي ! او على طريقة قراءة الجنود العسكريين للخرائط الطبوغرافية !


لكن اعتقد ايضاً ان السبب الحقيقي يعود في حقيقة انني دائماً ما كنت ارى ان الواقع مرتب بطريقة فوضوية او فوضوي بطريقة مرتبة ! لست متأكداً بصراحة .


دائماً ما تلفت انتباهي تلك المشاهد الصامتة و العشوائية ، وبالرغم من انها مرتبة بطريقة ما تستدعي النظر و التساؤل عن هذا الترتيب ان كان يوجد سبب لهذا الترتيب المُحدد بهذا الشكل او لا يوجد ، هل هذا الترتيب كان عن تخطيط مُسبق او لم يكن كذلك اطلاقاً ، اظن ان لدي نزعة في تجنب ان اقوم بترتيب الاشياء ! (خطرت لي الآن هذه القناعة)




هذا يتمثل كثيراً في نهجي العملي الى حد كبير ، يستغرب كل من يعمل معي اثناء التصوير انني لا احبذ ان يكون الكرسي (مثلاً) يظهر في اللقطة كما لو ان هناك شخص وضعه بهذه الطريقة ! ، ارفض ان يكون كل شي منمق ومرتب بطريقة تبعث على الشعور بان هذا الترتيب مُخطط له ، ارفض ان يكون هناك تخطيط انساني للقطة ! أميل كثيراً ان يكون كل شي يظهر في لقطاتي وكان الطبيعة هي من خططت لعشوائية اللقطة وليس اليد الانسانية ، او على الاقل ان يكون هذا التدخل الإنساني في الحد الادنى منه ، لا اميل الى المبالغة في ترتيب الإنتاج البصري الفني ، وبالرغم من انني اعترف بحقيقة ان الترتيب يمكن ان يضيف جمالاً اكثر على ماهو جميل اصلاً بطبعه ! وهذا يذكرني بأمثولة البستان والغابة .


(الغابات بطبعها جميله ، واستمتع بجمالها وأطلق عليها جمال الطبيعه ، ولكن عندما يتدخل الانسان ويعيد ترتيب جمالها ، من قص للافرع وتشذيب وتهذيب تتحول من غابة حشائشية الى بستان ! مرتب).


اعتقد اني تأثرت كثيراً بالمدرسة الواقعية في الفن مما اثر على نظرتي ايضاً للحياة ، في نظري التخطيط لخلق واقع يتجسد فيه كل ماهو حقيقي بشكل يظهر وكأن العشوائية سبباً في ذلك الواقع مهمة اصعب من ان تُضيف على الواقع .


اميل كثيراً ان ارى في الاشياء جمالها كما هي قبل ان يتطرق اليها الجمال المُخطط له بالاضافة والترتيب والتنميق الإنساني .


اعتقد ان مايثير سخطي هو نسبية هذا الموضوع تحديداً ، لم يتفق لي أبداً انني رأيت في الاطفال قُبح ! الأطفال جميلين دائماً كما اعتقد ان هذا الامر من المُسلمات عند كل انسان ، ولكن حين يكبرون تبدأ معالم التنسيب والتنميط فيهم فأستقبح أجزاء منهم و أستلطف اجزاء اخرى !.


اعتقد ان اجمل مافي الفن هو ليس المُحاكاة ولا التوثيق ، ولا المُماهاة ، وإنما إعادة خلق تلك الواقعية الفوضوية المُعقدة التي تُفضي الى ذلك الجمال الذي نتحسسه بكل بساطة وبكل فطرية ! دون فواصل ودون حالات من التوقف او الشذوذ في التلقي ، فإن كان هناك كلمة تدل على هذا المعنى فهي الموازاة ! او التوازي ، ان تخلق عالم موازي !


يقول انشتاين : "إن أكثر شيء غير مفهوم عن الكون هو أنه قابل للفهم"


حقيقة ان اكتشاف نيوتن للجاذبية ليس في (لماذا) دائماً تسقط الاشياء من اعلى الى اسفل ولكن في (كيف) تسقط من اعلى الى اسفل ، بالرغم من انني اعتقد ان لولا سؤال لماذا؟ لما كان هناك سؤال كيف؟


سؤال لماذا هو اللغز الاولي الذي لايتطرق له الاكثرين ويعد ترفاً ومضيعة للوقت .

لماذا كل شيء هو كل شيء ؟

لماذا كل شيء بهذه الشيئية !؟


إذن لماذا انا فوضوي ؟


أظن انني سأربط هذه التدوينة بتدوينه أخرى لاحقة !


كونوا بخير


عامر

0 views
  • Snapchat
  • Instagram

© 2020 AMER ALSAAD